عبد الرحمن السهيلي

99

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وكان أبو سفيان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعتهما حليمة ، وكان آلف الناس له قبل النبوة لا يفارقه ، فلما نبئ كان أبعد الناس عنه ، وأهجاهم له إلى أن أسلم ، فكان أصح الناس إيماناً ، وألزمهم له صلى الله عليه وسلم ، ولأبي سفيان هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت يا أبا سفيان ، كما قيل : كل الصيد في جوف الفرا ، وقيل : بل قالها لأبي سفيان بن حرب ، والأول أصح . وقول بديل : حمشتهم الحرب ، يقال : حمشت الرجل إذا أغضبته ، وحمشت النار أيضاً إذا أوقدتها ، ويقال : حمست بالسين . عن إسلام سفيان بن حرب وذكر عبد بن حميد في إسلام أبي سفيان بن حرب أن العباس لما احتمله معه إلى قبته ، فأصبح عنده ، رأى الناس وقد ثاروا إلى ظهورهم ، فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل ما للناس ! ! أأمروا في بشيء ؟ قال : لا ، ولكنهم قاموا إلى الصلاة ، فأمره العباس فتوضأ ، ثم انطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل عليه السلام في الصلاة كبر فكبر الناس بتكبيره ، ثم ركع فركعوا ، ثم رفع فرفعوا ، فقال أبو سفيان : ما رأيت كاليوم طاعة قوم جمعهم من ههنا وههنا ، ولا فارس الأكارم ، ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له ، وفي حديث عبد بن حميد أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم ، حين عرض عليه الإسلام : كيف أصنع بالعزى ؟ فسمعه عمر رضي الله عنه من وراء القبة ، فقال له : نخرا عليها ، فقال له أبو سفيان : ويحك يا عمر ! ! إنك رجل فاحش دعني مع ابن عمي ، فإياه أكلم . وذكر قول أبي سفيان : لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ، وقول العباس له : إنها النبوة ، قال شيخنا أبو بكر رحمه الله : إنما أنكر العباس عليه أن ذكر الملك مجرداً من النبوة مع أنه كان في أول دخوله في الإسلام ، وإلا فجائز أن يسمى مثل هذا ملكاً ، وإن كان لنبي فقد قال الله تعالى في داود « وشَدَدْنَا مُلْكَه » وقال سليمان : « وَهْبْ لي مُلْكاً » غير أن الكراهية أظهر في تسمية حال النبي صلى الله عليه وسلم ملكاً لما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبياً عبداً ، أو نبياً ملكاً ، فالتفت إلى جبريل ، فأشار إليه أن توضع ، فقال : بل نبياً عبداً أشبع يوماً ، وأجوع يوماً ، وإنكار العباس على أبي سفيان يقوي هذا المعنى ، وأمر الخلفاء الأربعة بعده يكره أيضاً أن يسمى ملكاً ، لقوله عليه السلام في حديث آخر : يكون بعده خلفاء ، ثم يكون أمراء ، ثم يكون ملوك ، ثم جبابرة ، ويروى : ثم يعود الأمر بزبزياً ، وهو تصحيف ، قال الخطابي : إنما هو بزيزي ، أي : قتل وسلب . قول هند عن أبي سفيان وقول هند : اقتتلوا الحميت الدسم الأخمس . الحميت : الزق ، نسبته إلى الضخم والسمن ، والأحمس أيضاً الذي لا خير عنده ، من قولهم : عام أحمس إذا لم يكن فيه مطر ، وزاد عبد بن حميد في حديثه أنها قالت : يا آل غالب اقتلوا الأحمق ، فقال لها أبو سفيان : والله لتسلمن أو لأضربن عنقك ، وفي إسلام أبي سفيان قبل هند وإسلامها قبل انقضاء عدتها ، ثم استقرا على نكاحهما وكذلك حكيم بن حزام مع امرأته حجة للشافعي ، فإنه لم يفرق بين أن تسلم قبله ، أو يسلم قبلها ، ما دامت في العدة . وفرق مالك بين المسألتين على ما في الموطأ وغيره . إسلام أبي قحافة : وذكر إسلام أبي قحافة ، واسمه : عثمان بن عامر ، واسم أمه : قيلة بنت أذاة . وقوله لبنت له : وهي أصغر ولده ، يريد والله أعلم أصغر أولاده الذين لصلبه ، وأولادهم ، لأن أبا قحافة لم يعش له ولد ذكر إلا أبو بكر ، ولا تعرف له بنت إلا أم فروة التي أنكحها أبو بكر رضي الله عنه من الأشعث بن قيس ، وكانت قبله تحت تميم الداري ، فهي هذه التي ذكر ابن إسحاق والله أعمل . وقد قيل : كانت